محمد بن زكريا الرازي

77

منافع الأغذية ودفع مضارها

ولم يساعد الشهوة مساعدة شديدة . فإن لم يصبر قضم الثلج قليلا قليلا ، ولم يشرب من مائه ما يمكن أن يمدد البطن . فإنه بهذا التدبير يمكن أن يسلم من مضرة الماء بكثرته التي تمدد المعدة ، ويصير سببا لسوء مزاج الهضم وانطلاق البطن والهيضة « 1 » . الضار بكيفيته أما إذا كان ذلك لطلب الشارب لذة برده فليقتصر على قضم الثلج قليلا قليلا ، فإن ذلك يجزيه فيما يريد ويسلم من تمدد المعدة وتزققها « 2 » بالماء ومنعه إياها من أن تحتوي على الغذاء . ويتدبر بهذا التدبير حتى يبطل هذا العارض عنه ، وهو يبطل في يومين أو ثلاثة ، فإنه بهذا الوجه يسلم من هذه المضرة . الماء الضار ببرده وأما إن كان الماء إنما يضر ببرده الشديد ، كالذين تتغثى « 3 » نفوسهم إلّا من الماء الصادق البرد جدا وإذا شربوه ساء هضمهم واعتراهم القراقر والنفخ والجشاء « 4 » الحامض ، فينبغي أن يبرده بالقدر الذي لا يغثي منهم أنفسهم فقط ، ولا يتجاوزون ذلك إيثارا للشهوة ، ويكمدون « 5 » المعدة بالخرق المسخنة ويمرخونها بعد الخف من الطعام بدهن الناردين « 6 » ، ويتعللون أيضا بالثلج اليسير عن الماء الكثير ، ويدخلون من

--> ( 1 ) الهيضة : سبق شرحها . ( 2 ) الزق : زقا الطائر : رمى بسلحه . وزق فرخه : أطعمه بمنقاره والزق : تغذية الطيور الدواجن قسرا بغية تسمينها بسرعة . والزققة : ذات الأصوات من الحمام التي تزق فرخها . وتزققها بالماء أي الصوت الذي يخرج من المعدة بعد امتلائها بالماء وتسميه العامة ( القرقرة ) . ( 3 ) الغثيان : غثت نفسه ، غثيا وغثيانا قال أبو علي : أصله الفساد . وقال ابن السكيت : غثي السيل المرتع : إذا جمع بعضه إلى بعض وأذهب حلاوته . وقال ابن دريد وصاحب العين : غثيت نفسه غثيا : لعله وهو خبث في النفس وضعف . وقال أبو عبيدة ، غثت وجاشت بمعنى واحد : ثارت للغثيان وضعفت نفس الرجل من جهد أو حرّ . ( 4 ) الجشاء : من التشجؤ وهو خروج الهواء المطعم برائحة الأطعمة من المعدة وغالبا ما يكون الجشاء مصحوبا بشيء من الحموضة والحرقة . ( 5 ) التكميد : سبق شرحه منه الفعل ( ويكمدون ) أي التكميد بالخرق المسخنة . . الخ . . ( 6 ) دهن الناردين : دهون يستخرج من نبت الناردين وهو نبت أقرب إلى نبت النسرين منه إلى نبت النارجيل ، له -